Monday, March 16, 2009

مثل الوزنات




"ويُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ رجُلاً أرادَ السَّفَرَ، فدَعا خدَمَهُ وسَلَّمَ إلَيهِم أموالَهُ، 15كُلُّ واحدٍ مِنهُم على قَدْرِ طاقَتِهِ. فأعطى الأوّلَ خمسَ وزَناتٍ مِنَ الفِضَّةِ، والثّاني وزْنَــتَينِ، والثّالثَ وزنَةً واحدةً وسافرَ. 16فأسرَعَ الَّذي أخذَ الوَزَناتِ الخَمسَ إلى المتُاجَرةِ بِها، فربِـحَ خَمسَ وزَناتٍ. 17وكذلِكَ الَّذي أخذَ الوَزْنَتينِ، فرَبِـحَ وزْنَتينِ. 18وأمّا الَّذي أخذَ الوَزْنَة الواحدَةَ، فذهَبَ وحفَرَ حُفْرةً في الأرضِ ودفَنَ مالَ سيَّدِهِ.

19وبَعدَ مُدّةٍ طويلةٍ، رجَعَ سيَّدُ هؤُلاءِ الخَدَمِ وحاسَبَهُم. 20فجاءَ الَّذي أخَذَ الوَزَناتِ الخَمسَ، فدَفَعَ خَمسَ وزَناتٍ مَعَها وقالَ: يا سيَّدي، أعطيتَني خَمسَ وَزَناتٍ، فخُذْ خَمسَ وزَناتٍ رَبِحتُها. 21فقالَ لَه سيَّدُهُ: أحسَنتَ، أيٌّها الخادمُ الصالِـحُ الأمينُ! كُنتَ أمينًا على القليلِ، فسَأُقيمُكَ على الكَثيرِ: اَدخُلْ نَعيمَ سيَّدِكَ.

أعطَيتَني وزْنَــتَينِ، فخُذْ معَهُما وزْنتَينِ رَبِحتُهُما. 23فَقالَ لَه سيَّدُهُ: أحسنتَ، أيٌّها الخادِمُ الصّالِـحُ الأمينُ! كُنتَ أمينًا على القَليلِ، فسأُقيمُكَ على الكَثيرِ: اَدخُلْ نَعيمَ سيَّدك

َ24وجاءَ الَّذي أخَذَ الوَزْنةَ الواحِدَةَ، فقالَ: يا سيَّدُ، عَرَفْتُكَ رجُلاً قاسِيًا، تحصِدُ حيثُ لا تَزرَعُ، وتَجمَعُ حيث لا تَبذُرُ، 25فخِفتُ. فذَهبتُ ودفَنْتُ مالَكَ في الأرضِ، وها هوَ مالُكَ. 26فأجابَهُ سيَّدُهُ: يا لَكَ من خادِمِ شِرّيرٍ كَسلانَ! عَرَفتَني أحصِدُ حَيثُ لا أزرَعُ وأجمَعُ حيثُ لا أبذُرُ، 27فكانَ علَيكَ أنْ تضَعَ مالي عِندَ الصَّيارِفَةِ، وكُنتُ في عَودتي أستَرِدٌّهُ معَ الفائِدَةِ. 28وقالَ لخَدَمِه: خُذوا مِنهُ الوَزْنَةَ واَدْفَعوها إلى صاحِبِ الوَزَناتِ العَشْرِ، 29لأنَّ مَنْ كانَ لَه شيءٌ، يُزادُ فيَفيضُ. ومَنْ لا شيءَ لَه، يُؤخذُ مِنهُ حتى الَّذي لَه. 30وهذا الخادِمُ الَّذي لا نَفْعَ مِنهُ، اَطرَحوهُ خارِجًا في الظّلامِ. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ.

مثل الوزنات


من له يُعطى ويُزاد.
أن يكون لنا وزنة، لا يعني أن نكون عباقرة أو موهوبين فوق الحدّ. بل أن نستغلّ الامكانيات التي أعطيناها. الوزنة في الإنجيل تمثل 30 سنة من شغل عامل يومي. إذن، نحن أمام كمية كبيرة. ولكن سواء كانت الموهبة كبيرة أم صغيرة، فعلينا أن نجعلها منتجة ونستفيد من غياب السيد. زمن الموت ليس زمناً لا فائدة منه. فالمسألة الحقيقية هي غياب السيد. فماذا نستطيع ان نعمل بدونه؟
يبدأ هذا المثل فيعيد إلينا استقلاليتنا ومبادرتنا. لم نعد أولاداً أو أطفالاً. نرى في هذا المثل تلاميذ خافوا لما عرفوا أن المسيح سيتركهم. سيشاركون في فرح السيد، شرط أن يعيشوا حياتهم بأحسن ما يكون وحسب الوزنات التي أعطيت لهم.
خاف الرجل الثالث. وله أعذاره. ولكن الحياة هي مخاطرة. قد نظن: لا بأس بما عمله. فقد حافظ بعناية على وديعة الإيمان. لا شكّ في أن على الكنيسة أن تحافظ على هذا الكنز. ولكن عليها خصوصاً أن تنمّي امكانياتها في واقع البشر الملموس. المحافظة تدفعنا إلى استنباط الطرق لكي نضاعف ما نملك. هذا لا يعني أن تكون لنا المواهب العديدة، بل أن نعيش جنون المغامرة.
كان باستطاعة الرجل الثالث أن يقول: معلمي لطيف. هو لا يحصد إلا حيث زرع. ولكنه قال عكس ذلك. خطأه الأكبر: عرف ولم يكن منطقياً، فلم يطبّق معرفته على نفسه ."عرفتَ أنني رجل قاسٍ". هذا ما قال له المعلّم. الشرّ كل الشرّ هو أن نعرف ونخاف.
ونلاحظ ثقة السيّد بعبيده. هو قد خاطر. لقد راهن على الإنسان (قد يخسر أو يربح). جعل الواحد مختلفاً عن الآخر مع شخصيّته الخاصة وغناه الخفي. وأمامه، نستخرج وزناتنا المخبأة. هي ليست لنا، بل سُلّمت إلينا. كل ما نملك هو وديعة في أيدينا: الأموال، الأشخاص، الأحداث. والوزنة هي لنا كرامة ومهمة. وحين نقوم بهذه المهمة نعطي صورة عن وجه الله: لا ذاك الإله القاسي، بل الخالق الذي يُشركنا في عمله.
في الظلمة البرّانية، لا نجد اناساً، بل اهتماماً بالربح. أما عنده فالتوظيف يجعلنا نعيش. إنه طبيعي كالعالم وروحي كالحب. لا يحبّ يسوع ان نكدّس المال. ومع ذلك فالتوظيف المالي هو واجب انجيلي.
وُصف العبد الصالح بأنه أمين (مؤمن). نشاطه الكبير هو في خدمة الإنجيل. ولا همّ له إلاّ مصالح الله التي هي في الوقت عينه مصالح البشر: أي أن نكون جماعة أناس متفتّحين منشرحين.
هذا المثل هو أكثر من خبر أخلاقي حيث يحاول كل واحد أن يستغلّ امكانياته. لا شكّ في أنه يجب أن نستغلّها. ولكن هناك أكثر من ذلك. لا بدّ أن نصل إلى انسان تصالح مع نفسه ومع الله. إن يسوع يفخر تردّداتنا وبطئنا وصغارتنا وبحثنا عن الراحة. الحياة لها معناها، فكيف نسمح لنفسنا أن نضيّذعها كذلك العبد البطّال؟
هل نجد أناساً لايستثمرون مالهم؟ من يخبّىء بعد ماله في "عبّه" أو تحت فراشه؟ في مجتمع اخترع ما اخترع للمدّخرين، لا نفهم بسهولة موقف العبد الثالث الذي أخفى مال سيده! أي خطأ فعل؟!
ولكن هذا الموقف موجود في مجال الإيمان: نتمتع بديانتنا وحدنا أو في تجمّع صغير أو في عش دافىء. هذه التجربة هدّدت الجماعات في زمن الرسل، ساعة تردد المسيحيون الآتون من العالم اليهودي فرفضوا الانفتاح على الوثنييِن.
وجاءت عنصرة وراء عنصرة فزعزعت أسس البيت وأطلقت المرسلين الأوّلين على طرق العالم. ويا ليت بيتنا يتزعزع وجماعاتنا تتزعزع فلا نبقى خائفين!
تحدّث يسوع في هذا المثل عن الوزنات . وفي مكان آخر عن حبة الخردل والخمير. التعليم هو هو. ملكوت الله وحضوره في العالم هما قوة تصل إلى الغير، هما قوّة الروح. فنحن لا نستطيع أن نخفي هذه القوّة . لأن الملكوت يُسقط أسوار خوفنا وجدران اهتماماتنا.
يبقى على جماعتنا وعلى كل واحد منا أنا يعرف الوزنات المسلمة إليه. لا شكّ أن هناك مواهب خاصة. وهناك موهبة الروح القدس التي يمنحنا إياها المسيح فيساعدنا على نشر ملكوت الله فينا وحولنا، ويرسلنا إلى العالم.
المسيح يدعونا إلى السهر، سيعود. فلننتظر عودته، لا بالكسل بل بالنشاط، لأنا الروح يدفعنا إلى تهيئة المجيء الثاني في جماعاتنا، في داخلنا وحولنا.
إنتظار مجيء الرب لا يعني أن نكتّف أيدينا ونمتنع عن العمل. هذا ما يقوله لنا مثل الوزنات. لم يسلِّم إلينا الإيمان كقطعة من ذهب نخفيها في الخزنة، بل كموهبة نستغلّها. الإيمان يستنبط، يخلق الجديد وهو عكس الكسل والمحافظة على ما هو قديم لأنه قديم




الخوري بولس الفغالي



No comments:

Post a Comment

Post a Comment